2012/07/11

تقسيم مصر 1: الأقاليم المغلقة، مثلث حلايب


تقسيم مصر، سلسلة قصيرة على المدونة تلقى الضوء على الجدران السياسية والمادية التى تقسّم مصر على مستويات الأقاليم والمدن والأحياء مما يحد من حركة قطاع كبير من مواطنيها بين هذه الموانع ويعد إختراق صارخ للحق فى المدينة والحق فى التنقل. هذا التقسيم المفتعل أدى إلى تكوين مجتمعى يمكن أن نشرحه بأنه غير متزن وهذا من الأبعاد الإجتماعية والإقتصادية والثقافية. فيعتقد البعض مننا أن حقه كمواطن مصرى أن يتحرك داخل مصر دون إذن أو تصريح من أحد، ولكن الحقيقة عكس هذا.

*سبق أن تم نشر بعض من هذه الحلقات بمقال تحت عنوان "موسم الهجرة" بمجلة أمكنة العدد التاسع


خريطة جوية لمصر وبها مبين مثلثى حلايب وبير طويل باللون الأحمر (جوجل إرث)ء
تنقسم مصر إلى نحو سبعة أقاليم إقتصادية طبقاً لدراسات أعدها المعهد القومى للتخطيط وطبقا لقانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 والمعدل بقانون رقم 145 لسنة 1988. لكن هلع السلطة المركزية من ما أسموه "مخطط تقسيم مصر"، الذى يمثل شئ من الوهم، أضفى على الهلع من تضعيف قواها المركزية، وهو حقيقى، أدى إلى عدم تفعيل الإدارة الإقليمية لمصر ... إلا على المستوى العسكرى.



فهناك مساحات كبيرة من مصر لا يُسمح للمصريين بزيارتها إلا بعد التقدم بتصريح من الجيش. هذه المناطق هى مثلث حلايب وشلاتين ومساحتها 20،580 كم مربع تقع فى جنوب شرق مصر، ونظراً لنزاع حدودى بيننا وبين السودان، باتت منطقة محظورة. هناك أيضأً منطقة الجلف الكبير ومساحتها 7770 كم مربع بجنوب غرب مصر، كان يقوم بزيارتها بعض الأفواج السياحية حتى قامت القوات المسلحة بتطبيق شروط تعجيزية على شركات السياحة بعد حادث إختطاف لفوج سياحى بالمنطقة عام  2008 مما ترتب عليه الإمتناع الشبه التام للزيارة بالمنطقة جنوب خط عرض 23. هذا إلى جانب قطاع واسع من المناطق العسكرية بمنطقة القناة والصحراء الغربية.

تشترك معظم هذه المناطق فى كونها مناطق صحراوية وحدودية يأهلها عدد قليل من السكان غالبيتهم قبائل بدوية أو أنها غير مأهولة تماما. بعضها به عمليات تنقيب أو تعدين وبعضها خال تماماً من أية مقاومات. ولكن السؤال هو، كيف نحن فى القرن الواحد والعشرين وهناك مناطق داخل بلدنا من الصعب أن نقوم بزيارتها أو الإقامة بها؟

فمثلث حلايب له قصة خاصة، وحيث أننى قمت بزيارته لثلاثة أيام عام 2005 يمكن أن أحكيها.


وادى عيديب،  2005 - وزارة الإسكان الظل
فبجانب سكان المنطقة الأصليين، وهم قبائل البشارية، وعدد من موظفى المؤسسات الحكومية وضيوفهم، يُسمح أحياناً لمن يعملون بالتجارة بين مصر والسودان بدخول المنطقة حتى قرية رأس حدربة وأحياناً مدينة شلاتين، كما يُسمح لسائحين مصريين فقط، وليس الأجانب، بزيارة مثلث حلايب بعد الحصول على التصريحات الأمنية المطلوبة، التى تندرج تحت تصريح لزيارة محمية جبل علبة الطبيعية، ولكن يُلزم زيارة مكتب حرس الحدود بقرية أبو رماد لتوثيق التصريح بعد المرور من كمين المدينة العسكرى. 

فلماذا مثل هذه الإجرآت؟ 

جبل علبة، 2005 - وزارة الإسكان الظل
يرجع موضوع مثلث حلايب إلى أواخر القرن التاسع عشر، عندما أدخل المستعمر البريطانى فكر الحدود السياسية إلى المنطقة وقام بتحديد حدود مصر الغربية والجنوبية. إتخذت هذه الخطوط الوهمية المعلم الوحيد بجنوب غرب الصحراء الغربية وتداً وهو جبل العوينات، وإمتدت الخطوط منه، فالحد الشرقى إمتد بالتوازى مع خط طول 25 شرق والحد الجنوبى إمتد بالتوازى مع خط عرض 22 شمال.


خريطة مساحية لمثلث حلايب
 طبقاً للمعاهدة البريطانية-المصرية لعام 1899، باتت السودان المستعمَرة جنوب خط عرض 22 ، ومصر "المحمية" شمال هذا الخط، ووافقت الحكومة المصرية العميلة آنذاك لإعتقادها أنها ستقوم بمشاركة بريطانيا إدارة "السودان البريطانية-المصرية"، ولكن تم تهميش النخبة المصرية الحاكمة إلى وظائف إدارية من قبل الإنجليز الذين قاموا بإدارة السودان وحدهم. 

فمثل هذه الحدود الوهمية تقوم بتجاهل التضاريس الطبيعية والإجتماعية للمناطق، وبالفعل إضطر تعديل المعاهدة مرة فى العام نفسه، عندما تم ضم نحو 25كم من مجرى النيل شمال خط عرض 22 إلى السودان نظراً لتبعية القرى النوبية بالمنطقة لمدينة وادى حلفا السودانية فيما يسمى بنتؤ وادى حلفا. 

أما التعديل الثانى فجاء عام 1902 بعد تظاهر القبائل التى كانت ترعى بمنطقة حلايب، فقامت بريطانيا بتعديل الحدود عام 1902 من المنطلق الإدارى فقط لتسهيل إدارة المنطقة من مدينة بور سودان، ورُسّم مثلث حلايب الذى يمتد شمال خط عرض 22 حتى مدينة الشلاتين والذى خضع للإدارة السودانية، كما تم ترسيم إقليم صغير يسمى ببير طويل، جنوب خط عرض 22 وأحيلت تبعيته لمصر نظراً لكونه مرعى لقبائل العبابدة. 

سوق شلاتين، 2005 - وزارة الإسكان الظل
ظل الحال بعد إستقلال مصر إدارياً من بريطانيا عام 1923 حيث لم يشير دستور 23 إلى تبعية السودان لمصر. لكن عند إستقلال السودان عام 1956 وعندما أجريت إنتخابات بها ضمت سكان منطقة حلايب، إعترضت حكومة جمال عبد الناصر حتى باتت الدولتان على وشك الحرب، فتراجع الرئيس الراحل قائلا: أنه لن يسمح أن تسفك دماء عربية فى صراع على أراضى مصر و السودان. 

نُسى الموضوع لنحو عقدين حتى بدأ التصعيد مرة أخرى فى سبعينيات القرن الماضى من جانب حكومة السادات دون الوصول لتوافق مع حكومة السودان. ظل مناخ التوتر حتى وصل ذروته مع حكومة مبارك حيث تدخل الجيش المصرى فى المنطقة عام 1992، بعد تدهور العلاقات المصرية السودانية لأسباب عديدة، منها محاولة السودان إستخراج النفط فى المنطقة ومنع حكومة السودان الشركة المصرية للفوسفات من إستكمال عملها هناك بعد 75 عاما من العمل المتواصل. زاد التوتر بعد إتهام حكومة مصر للحكومة السودانية بمحاولة إغتيال الرئيس المخلوع حسنى مبارك فى أديس أبابا عام 1995، وتم سحب التواجد السودانى بمدينة حلايب عام 2000.

فعلى مدار هذه الفترة زاد إهتمام الحكومة المصرية بمنطقة حلايب حيث بدأت عام 1984 مشروع لتوطين أهالى البدو من البشارية والعبابدة بمدن وقرى المنطقة وقامت بتدشين محمية جبل علبة عام 1986 ومع تصعيد الأزمة السياسية أنشأت جهاز أمنى بقشرة مدنية سمى "جهاز شؤون القبائل". 

سوق شلاتين،  2005 - وزارة الإسكان الظل
فيبدو أن هذا "الإهتمام" الزائد قام بإخراج المجتمع البدوى عن إتزانه الطبيعى. فبات هناك نوعان من القبائل: من قبل التوطين بالمدن الساحلية مثل حلايب وأبو رماد والشلاتين، ومن ظل راعى بالوديان. 
فتحول قبائل البشارية الذين وطنوا المدن إلى عاطلين يجلسون القهاوى ويتفرجون على التليفزيون. فلم يتعلمون مهنة تؤهلهم للعمل، فإنضم عدد قليل منهم إلى التوظيف الحكومى، ولكن بشكل سطحى حيث أنهم يمثلون فقط حلقة وصل بين الحكومة المركزية والقبائل التى لم تتوطن.

فأفراد القبائل التى رفضت التوطين لازالوا يتكلمون بلغة البشارية وقليل منهم يتكلم العربية، كما أنهم لازالوا يسكنون بيوت الشعر ولازال لهم دخل من خلال رعى الخرفان. فنظراً لأحوال أقاربهم المتوطنين، وصل الحال أنهم يقومون برعى مواشى لهم كمصدر للدخل، حيث تقوم الأطفال الذين إلتحقوا بالمدارس بزيارة أقاربهم بالوديان أثناء الأجازات ولتفقد إستثماراتهم البسيطة.

فيمثل السور القائم بين حلايب وباقى الأراضى المصرية إنعكاساً لحالة عدم الإستقرار السائدة، نحو نصف قرن بعد جلاء المستعمر الإنجليزى، سمه لم يرحل معه. 

فالحكومة المصرية تتمسك بمعاهدة المستعمر البريطانى التى حددت الحد الجنوبى للدولة المصرية عند خط عرض 22، فى حين تتمسك الحكومة السودانية بالمعاهدة نفسها المعدلة التى رسمّت مثلث حلايب ضمن الإدارة السودانية. ولكن ترفض الحكومتان تصعيد الصراع المسلح لحسم مصير هذه المنطقة إذ أنها منطقة إفتقرت إلى الموارد الأساسية كالمعادن والبترول، لكنها باتت تمثل ملفاً سياسيا شائكا تخرجه أى من الحكومتين، عندما يصب فى الصالح السياسى للنظام الحاكم بكلتا الدولتين.

فكلما كانت هناك إنتخابات بالسودان، أعلنت الحكومة هناك حلايب دائرة إنتخابية. فأصبح رد فعل الحكومة المصرية المعتاد، إستنكار الخبر وبالطبع لا تسمح بإقامة إنتخابات داخل مثلث حلايب. ولكن حقيقة الأمر أن معظم سكان المنطقة الأصليين لهم بطاقات رقم قومى مصرية وجوازات سفر سودانية، فمن السهل أن يقوم بعضهم بعبور الحدود الجنوبية إلى داخل السودان ويشتركون بالإنتخابات هناك كسكان دائرة حلايب.
ومن الحين للآخر تطالب أحزاب المعارضة السودانية بإحالة الجدل الحدودى إلى التحكيم الدولى، مما يثير غضب الحكومة المصرية التى تُصر على أن خرائط مصر تضم مثلث حلايب، فى حين أن الخرائط المتداولة دوليا تشير إلى وجود نزاع حدودى بهذه المنطقة، أوتشير أنها جزء من السودان. 

ففى ظل هذه التذبذبات السياسية، يظل الخاسر الأكبر هو المجتمع الذى يسكن هذه المنطقة، فهو لا يتمتع بإقتصاد محلى مستقر مما يضطر بعض منه إلى اللجوء لطرق غير شرعية كمصدر بديل للرزق مثل تهريب السلاح أو المهاجرين. 

فى الوقت نفسه توجد حلول مختلفة للأزمة قائمة على الإرادة السياسية وإرادة الشعبين لإجتياز الفكر القومى المُفرّق الذى تلعبه حكوماتنا ككارت سياسى كلما تأزّم بها الأمر. فعند بناء السد العالى تعرضت قرى وأراضى سودانية للغرق أسفل إمتداد بحيرة ناصر مما أسفر عنه غرق غالبية مسطح نتؤ وادى حلفا، فقامت مصر بتعويض السودان. فالأمر يتطلب إعتراف الدولتان بأن خط عرض 22 حد وهمى رسمه مستعمر، فهناك ترابط وتداخل بين ثقافات الشعبين يمكن أن يفتح نقاش ترسيم الحدود وفك حصار المنطقة.

No comments:

Post a Comment

شارك برأيك

Post a Comment