2012/04/18

"عمارة النوبة" كتاب للمعماري عمر الحكيم


فى يوم التدوين عن النوبة، أحببت أن أقدم كتابا منسيا للمعماري عمر الحكيم عنوانه عمارة النوبة "Nubian "Architecture، وثّق فيه رحلة التهجير النوبية بدراسة عدد كبير من القرى النوبية قبل غرقها تحت بحيرة السد العالي، ثم تجربة التهجير إلى القرى الجديدة في كوم أمبو، ويختتم بتجربته الشخصية في بناء منازل جديدة للأهالي الذين هُجِّروا بإشراكهم في عملية التصميم والبناء.


فبرغم تجهيز وزار ة ثقافة ثروت عكاشة بعثة صغيرة لتوثيق الثقافة الحية لإقليم النوبة، وهي القرى والنجوع النوبية، فإن عمر الحكيم، وهو الطالب بقسم العمارة آنذاك و أخوه شريف وهو باحث اجتماعي، موّلا رحلتهما في النوبة من مالهما الخاص، إذ تنقلا على الأقدام في رحلتهما التي امتدت نحو 300 كم بين أسوان و أبو سمبل حيث باتا بمنازل من دعاهما من الأهالي.


يبدأ الحكيم كتابه بشرح صلة أعمال ترويج النيل التي بدأت بخزان أسوان عام 1899 وعمليات تهجير أهالي النوبة التي بدأت حينذاك وتوالت مع أعمال تعلية الخزان في 1929 و1934 حتى "المسمار الأخير في نعش النوبة" وهو بداية بناء السد العالي عام 1960 كما وصفه الحكيم، وغرق معظم قرى النوبة القديمة عدا عدد قليل منها في الشمال، الصلة الباقية الوحيدة من تراث النوبة.


"رجل واحد لا يستطيع أن يبنى بيتا، لكن عشرة رجالة يستطيعون أن يبنون عشرة بيوت" بهذا المثل النوبي ينتقل الكتاب سريعا إلى قلبه وهو العمارة النوبية. فيشرح الحكيم النسق العمراني لقرى و نجوع النوبة القديمة ثم ينتقل إلى أنساق المباني وصلة المنازل ببعضها البعض التي تعكس صلة الأسر بالعائلة. ثم ينتقل لتفاصيل العمارة من بوابات وتهوية وخزائن الغلة والمياه.


هنا يتطرق الحكيم لحرفة البناء النوبية من خلال القبو المصري الذي حافظ على تقنية بنائه النوبيون عبر القرون وبات سمة لثقافتهم. هذه التقنية استوحى منها المعماريان حسن فتحى و رمسيس ويصا واصف في بداية القرن العشرين معمارهما، و روّجا أنها العمارة المصرية الأصيلة بطرقهما المختلفة، لكن ظلت مباني النوبيون مختلفة عمّا قدّمه معماريو القرن العشرين، وهنا أعمق ما يقدمه كتاب عمر الحكيم لفهم العمارة النوبية حيث رصدها بنقاوتها وأصالتها دون التداخل مع ما تم بنائه من فيلات وقرى سياحية تدّعى انتمائها للثقافة النوبية، فهي فقط استخدمت تقنية البناء
.

بعد التعرض لقرى النوبة القديمة ينقلنا الكاتب إلى النوبة الجديدة، من عملية التهجير غير الناجحة إلى مركز نصر النوبة بكوم أمبو سنة 1964 التي أدارتها اللجنة المركزية لتهجير أهالي النوبة التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، حيث يرصد لنا خطاطها الفوقية التي لم تستشير النوبيين في صيرورة بناء القرى والبيوت الجديدة ضاربا بعرض الحائط ثقافاتهم وخبراتهم المحلية، وبذلك حكمت عليهم بالمعيشة في قرى غير لائقة وبتعويضات هزلية، مما ترتب عنه مشاكل اجتماعية وثقافية عدة، بجانب المعاناة النفسية والمادية التي عانت منها الأهالي المهجرون.


قام العديد من الأهالي بالتآلف مع الموقف المحزن لهم، وقاموا بتكييف مساكنهم وقراهم لشخصيتهم، ولكن تذمر جزء آخر وقام منذ عام 1973 بتأسيس جمعيات لإعادة توطينهم على ضفاف بحيرة ناصر بالقرب من أراضيهم الأصلية. من خلال عمل جمعية من هذه الجمعيات، يقوم الحكيم برصد تجربته مع جمعية قُسطُل وأدندان في إعادة بناء قرية بالاسم ذاته بالقرب من أبو سمبل لكن على الضفة الشرقية من بحيرة ناصر، في أواخر سبعينيات القرن الماضي، والتي وردت في تقرير المصري اليوم "بوابة أفريقيا المهجورة".


الحقيقة أن هذا الكتاب الصغير أعمق بكثير من ما يفصح عنه عنوانه، فهو يجمع بين العمران والمجتمع الذي أنشأه، وبين مجتمع أصلي وعلاقته بالدولة المركزية وبين المعماري والمجتمع الذي يفترض أنه يعمل من أجله. المأخذ الوحيد أنه غير متوفر باللغة العربية، أو باللغات النوبية بما أننا نتكلم عن اللغات.

No comments:

Post a Comment

شارك برأيك