2013/01/20

حقيقة غير مثالية بديلاً للوهم الرسمى

 
الحرانية، الجيزة - وزارة الإسكان الظل
مرة قابلت مدرس العربى بتاعى الذى يسكن فى منطقة فى حى الدقى فى الجيزة ترى الدولة أنها منطقة شعبية، أو طبقا لمصطلح القرن «منطقة عشوائية».

يستفزنى موقف أجهزة الدولة والإعلام من العمران المصرى المعاصر. لكن ما يقلقنى هو ربط النسق العمرانى بالسلوك الاجتماعى، ليصبح المكان الذى ولد فيه شخص ما مفتاح تفسير كامل ماضيه وحاضره ومستقبله. وهذا ما يسمى بالتمييز...

يرى الفنان محمد صبحى أن العشوائيات tأصبحت «حزامًا ناسفًا» حول القاهرة ويجب «القضاء عليها». بينما وصف وزير التنمية المحلية الأسبق المستشار محمد عطية العشوائيات بأنها «قنبلة موقوتة». أما جهاز التخطيط العمرانى فرأيه أنه يجب «تحزيم العشوائيات». حتى الجهاز المعنى بتطويرها، صندوق تطوير المناطق العشوائية، ماض فى «إزالتها». فأصبح للرأى العام هاجس ثورة الجياع وهجوم سكان العشوائيات على المناطق الأخرى غير العشوائية.

طيب ومدرس العربى، إيه اللى ودّاه هناك؟


هناك احتياج سنوى لنحو 300 ألف مسكن لمحدودى الدخل. قامت الحكومة من خلال «وعد مبارك» بتوفير نحو 80 ألف وحدة سنويا بين عام 2005 و2011، حسب الوعد والله أعلم. باختصار شديد، من هذا المشروع القومى هناك شقق تم تسليمها لمن يستحق، وهناك ما تم تسليمه لمن لا يستحق، وهناك من رفض تسلُّمها لأنها فى مكان غير مناسب ومحروم من الخدمات: التنقل والتسوق والأمن. بالإضافة، إلى ذلك هناك من لم يتقدم لبرنامج الإسكان نظرا لارتفاع أسعار الوحدات، والتى تم توجيهها لمتوسطى الدخل -مرتبه مابين 1000 و2500 جنيه شهريا- لا لمحدودى الدخل، من يتقاضى راتبا مابين 150 و500 جنيه شهربا.

يبقى فاضل كده 220 ألف وحدة ناقصة. ده غير من سقط من حسبة المشروع القومى. فبدل ما الناس تبقى عايشة فوق بعضها أو فى الشارع؛ بادر الأهالى بسد جزء من هذا العجز بمجهوداتهم الذاتية. فاستلفوا الأول عشان الحفر والأساسات، ولما ربنا فرج طلعوا بالدور الأرضى، وبعدين شطبوه وجهزوه واتجوزوا فيه. بعد كده أخوهم حب يتجوز فصب الدور الأول، ولفت العجلة.

الحقيقة أن الدولة تركت المواطن المصرى لأهواء سوق أراضٍ وعقارات حرة تماما من أى رقابة أو حماية لراغب السكن، فبات يزاحم حقنا فى السكن مضاربات المصريين والأجانب القادرين فى بورصة الأراضى والعقارات حتى أصبح متوسط سعر السكن سبعة أضعاف الدخل السنوى وأكثر. فى حين أن فى دول رأسمالية مثل أمريكا واليابان، تبلغ النسبة أربع أضعاف فقط. هذا بالإضافة إلى إهمال العمران القائم فى المدن والقرى على مدار الأربعين عاما الماضية على حساب وهم المدن الجديدة، حيث تم إنفاق المليارات من موارد دولتنا المحدودة على بناء نحو 22 مدينة فى أنحاء مصر، منها سبع فى القاهرة الكبرى وحدها، لم تتمكن من جذب أقلية منا، نحو 2 بالمئة، يستهلكون نصيب الأسد من مياهنا وطاقتنا، بينما مجتمعات المجهودات الذاتية استوعبت أكثر من نصفنا، وقبلت أسلوب التقشف وتوفير استهلاك الموارد. فالقطاع الخاص غير الرسمى ذو رقابة شعبية متفاوتة أنتج نسقًا عمرانيا معاصرًا من المجهودات الذاتية حقق المطالب الأساسية للغالبية العظمى من المصريين، فى حين أن القطاع العام والقطاع الخاص الرسمى أصحاب السلطة شبه المطلقة، أنتجا نسقا عمرانيا متيبسا يخدم مصالح البعض على حساب الغالبية.

الموضوع ليس رومانسيا، وعمرانيا كله، الذاتى و«الرسمى»؛ ليس فى أحسن أحواله، بل هناك ملايين عايشين فى خطر أن العمارة تنهار، أو دون مياه صالحة للشرب، أو فى درجات تكدس غير صحية. لكن المشكلات العمرانية يجب تناولها فى ظل السياسات الاقتصادية الحاكمة للعمران، حينها، تسقط نظرية العشوائيات الفارغة ويظهر مدرس العربى ليس كالاستثناء الذى يثبت القاعدة، إنما وجه من أوجه المجتمع المصرى المعاصر الذى صنع لنفسه حقيقة غير مثالية كبديل للوهم الرسمى.

No comments:

Post a comment

شارك برأيك