2009/01/09

عبقرية الأسلوب فى ظل عشوائية القرار


لقد تم فى الآونة الأخيرة تصليت الضوء على المجتمعات المبنية بالمجهودات الذاتية، التى لقبتها الجهات الحكومية و الإعلام بالعشوائيات، و تم التركيز على أنها "ظاهرة" و يجب التعامل معها كأنها سرطان أو وباء يجب أن نتخلص منه لكن خلت معظم الدراسات و المؤتمرات و الأفلام من تحديد علمى لسبب لجوء نحو 10% من سكان مصر لإقامة مساكن و أحياء بمواردهم الخاصة فى عاصمتنا القاهرة، و كيف تركت الجهات المعنية المختلفة من وزارات الإسكان و التخطيط العمرانى و التنمية المحلية و السلطات الإدارية كالمحافظات و المحليات و الأحياء أن يصل الأمر لما هو عليه اليوم.

أساس المشكلة

منذ بداية تفعيل نظام الخطط الخمسية فى عام 1961 و حتى الأعوام الأولى من هذا القرن ، تم تخصيص 40% من الميزانية للقاهرة و 20% للإسكندرية و 40% لباقى محافظات مصر...” و كانت هذه الكلمة الإفتتاحية للمعمارى صلاح حجاب، رئيس لجنة العمارة بالمجلس الأعلى للثقافة و معمارى قدير له خبرة فى مجال العمران تفوق الأربعة عقود. فكلامه يشير إلى أن قامت الحكومة بتحديد نحو نصف الميزانية لإفادة 19% من الشعب، و أسفر هذا الخلل على تحويل القاهرة إلى مدينة جذب التى إنفجر عدد سكانها 890% خلال القرن العشرين و إستقر معدل نموها فى تسعينيات القرن الماضى على 15% مع أن معدل النمو البشرى على مستوى الجمهورية نحو 1،8%.

هذا المعدل الفلكى للهجرة من الريف إلى المدينة فى ظل ثقافة "التطور البشرى" و "التمدين" أدى إلى خلق محافظات طاردة للسكان لتباين فرق مستوى المعيشة بينهم و بين محافظات أخرى على رأسهم القاهرة الكبرى - التى تضم مدن القاهرة و الجيزة و شبرا الخيمة و حلوان و ستة أكتوبر و االقاهرة الجديدة – حتى بات نصف سكانها ال15 مليون يقطنون الأحياء الذاتية وتتعايش أسر على قطر 100 كم منها على خيراتها من فرص عمل و خدمات.

فى الوقت نفسه التى أنفقت على العاصمة نصيب الأسد من الإستثمارات و مشاريع التنمية أنفق على مشاريع إسكان محدودى الدخل نحو 0.59% من الناتج المحلى، أى أن الحكومات المختلفة على مر العقود أعتبرت أن الإسكان و التخطيط له مشكلة يجب أن يتكفل بها الشعب. على سبيل المثال و ليس الحصر، المشروع القومى للإسكان وعد بتوفير 85،000 وحدة سكنية لمحدودى الدخل فى السنة على مستوى الدولة، فى حين أن معدل نمو ساكنى العشوائيات فى العاصمة فقط يحتاج إلى 200،000 وحدة سنويا لإستيعاب الزيادة و هذا على مستوى قاطنى الأحياء الذاتية فقط و دون الأخذ فى الإعتبار الثروة السكانية القائمة التى تحتاج إلى الإحلال و التجديد.

الحل؟

يجب أن تنقسم الحلول إلى حلول إقليمية و حلول عمرانية. فالحلول الإقليمية تنحصر على مراجعة ميزانية التنمية المحلية حيث يتم تخفيض معدل الإستثمار التجارى و الصناعى فى القاهرة الكبرى و تشجيعها فى المحافظات الأخرى. و الحلول العمرانية تركز على زيادة الإستثمار فى تخطيط و تنفيذ مجتمعات عمرانية جديدة لمحدودى الدخل على النطاق الإقليمى و فى القاهرة بالذات، حتى يتراجع مستوى نمو القاهرة من 15% إلى نحو 5%.

الحل الإقليمى

اللامركزية هى الأسلوب الإقليمى الوحيد الذى يمكن توزيع ثروات البلاد و معها سكانها بطريقة تتيح الإرتقاء بالمستوى المعيشى. فقال اللواء عبد السلام المحجوب، وزير الدولة للتنمية المحلية، مؤخرا أن "الدستور أكد أهمية اللامركزية ... إلى درجة نقل السلطة إلى المحليات" و هو أول دليل لوجود نية داخل الجهاز الحكومى لتعديل سياستها تجاه إعادة توزيع التنمية.

لكنها تمثل جزء فقط من الحل، فيجب أن ترسم خريطة للموارد و الإنتاج على مستوى الدولة تحدد بها المحافظات المنتجة و المحافظات المستهلكة و من خلالها تحدد أقاليم ذاتية المنفعة تقوم على مواردها كدمياط و بورسعيد و الإسكندرية و جنوب سيناء و البحر الأحمر و قنا و أقاليم أخرى تحتاج إلى تنمية كسوهاج و الوادى الجديد و كفر الشيخ و المنيا و بنى سويف. و ربما يعاد ترسيم حدود بعض المحافظات لتمكنها من الإتصال بموارد و مقاومات تساعد على تنميتها مثل إقتراح الدكتور فاروق الباز لمشروع ممر التنمية ضم سواحل محافظة البحر الأحمر لمحافظات الصعيد لتمكينهم من الإستفادة من مقومات السياحة و النقل البحرى بدلا من إعتماد معظمهم على الزراعة و بعض الصناعة فقط.

زمن إستحواذ العاصمة على نصيب الأسد من الميزانية يجب أن ينتهى اليوم.

الحل العمرانى

يزداد عدد سكان القاهرة بمعدل 15% كل عام، أى أن خلال عام 2009 سيضاف نحو 2،250،000 مواطن منهم 1،125،000 فى الأحياء الذاتية. فلابد أن تضاعف الإستثمارات لحل العجز السنوى الموجود فى توفير وحدات سكنية لمحدودى الدخل عن طريق وزارة الإسكان و أيضا من خلال توفير مناطق مخططة بها مرافق و خدمات و مواصلات مع تشجيع الجمعيات الأهلية على البناء و ليس الأفراد كمشروع إبنى بيتك الذى سيطرة عليه المشاكل.

أما المجتمعات الذاتية القائمة فهى ثروة سكنية تقدر بالمليارات من أموال المواطنين فلا يمكن هدمها، بل لابد من تطويرها حسب حاجاتها من مرافق و خدمات مع عمل مشاريع إحلال و تجديد لنسيجها العمرانى لزيادة الرقع المفتوحة و الخضراء بها و من ثم تخفيض كثفاتها السكانية. ذلك مع الأخذ بتطبيق صلرم لقانون البناء فى ظل تواجد بديل مخطط. فالسياسة الحالية لتطوير قلب العاصمة من البعد الإستثمارى على حساب البعد المجتمعى كطرح أرض مطار إمبابة و أراضى الوزارات بوست المدينة و هضبة إستبل عنتر للإستثمار سياسة خالية من بعد النظر المجتمعى و لابد من مراجعتها.

تتمة

قضية المجتمعات الذاتية قضية قومية لابد أن تعامل بكل صراحة و جدية كقضايا الغذاء و الطاقة، و مع وجود درجة متدنية من المتاعب و العذاب و تفاقم القيم الأخلاقية، فهناك دروس عدة مستفادة فى كيفية عمل إقتصاد ذاتى موازى للإقتصاد الرسمى يعول و يتكافل بنصف سكان العاصمة. فمن الصعب إحترام نتيجة الحياة لكن من المطلوب إحترام عبقرية الأسلوب فى ظل عشوائية القرار.

No comments:

Post a comment

شارك برأيك