2013/12/25

خطوة على طريق طويل: هل يضمن دستور 2013 المسكن الملائم لملايين الأسر المصرية؟


عاني ملايين الأسر المصرية في سكناها أحوالا عمرانية متدهورة، تفتقر للحد الأدنى من الحقوق الإنسانية. وعندما نتحدث عن المسكن الملائم، إنما نقصد بداءة ذلك الموئل الذي يوفر الظروف الصحية لسكنى قاطنيه ويلبي حاجاتهم الاجتماعية. ويتضمن ذلك بحسب المادة 11 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتعليق 4/1991 عناصر المسكن الملائم وهي إجمالا: الحيازة الآمنة؛ تناسب الكلفة؛  الصلاحية للسكن؛ توافر المرافق الأساسية؛ التناسب مع الاحتياجات؛ ملائمة الموقع؛ الملائمة لثقافة المعيشة.

 
وبالنظر للحال في مصر نجد أن نحو 1.3 مليون أسرة تعانى من المعيشة في بيوت ضيقة تتكون من غرفة واحدة أو غرفتين وتتكدس بخمسة أو ستة أفراد (شكل رقم 1)، وتشترك غالبا في دورات المياه مع غيرها وقد تكون خارج المسكن . كذلك هناك تسعة ملايين أسرة مصرية تعيش دون صرف صحى محسّن. أما عن أحوال النظافة فالأمر مخيف، إذ تعيش قطاعات كبيرة بجوار تلال القمامة في المدن والقرى.









كما يهدد أمن وسلامة الأسر المصرية مخاطر تتعلق بحالة المسكن الإنشائية أو خطورة موقعه. فخلال العقدين الماضيين تشردت أكثر من 28 ألف أسرة على إثر كوارث عمرانية سببتها الزلازل والسيول (شكل رقم 2)، بالإضافة إلى انهيار العقارات؛ تلك الظاهرة التى تسببت في تشريد أكثر من 800 أسرة فى العام الماضى وحده، وراح ضحيتها أكثر من 190 شخصا (حسب إحصآت المبادرة). والحقيقة أن جذر هذه المعاناة يكمن في سياسات عمرانية واقتصادية تفتقر إلى العدالة، أنشأت سوقا للأراضي والعقارات بعيد عن الرقابة، وتتجه فيه أسعار المسكن دوما إلى تضخم مطرد ، بما يُرغم الأسر من ذوي الدخول المتوسطة ودون المتوسطة على العيش في مسكن غير ملائم.





لقد أدى غياب عدالة التنمية إلى قصور فى المرافق الأساسية سواء مياه الشرب (14% من الأسر المصرية تعيش دون وصلة لمياه آمنة ، علاوة على تكرار حوادث تلوث مياه الشرب، شكل رقم 3)، أو الصرف الصحى حيث أن 50% من المصريين غير متصلون بشبكات حكومية ويستخدمون شبكات أهلية أو ترانشات، أو الطاقة (تعاني العديد من المدن والقرى من ظاهرة انقطاع الكهرباء فى الصيف خاصة خارج العاصمة، وكذلك ظاهرة انفجار أسطوانات الغاز).

كان طبيعيا أن يقع أكثر من نصف الامتداد العمراني الجديد خلال العقود الثلاثة الماضية برمته خارج نطاق المخططات الرسمية في صورة مجتمعات أقيمت بجهود أصحابها، أو ما تسميه الحكومة بالعشوائيات، يحلون بها احتياجاتهم للسكن بحسب ما يتوافر لديهم من مكنات، وغالبها يعاني الحرمان من المقومات الجيدة للمسكن، والمعيشة الآمنة والصحية.



لقد ظلت ممارسات تسليع الأرض والسكن، تحت ستار مزاعم التطوير والتنمية العمرانية سببا رئيسيا في الإخلاء والتهجير القسرى لفقراء المصريين من المدن (شكل رقم 5). وهو أمر تمارسه السلطات بدعاوى قانونية بيروقراطية، في وقت  لا يحمل فيه أكثر من 40 % من المصريين سند حيازة قانوني واضح. واستطاعت به الحكومة خلال العقد والنصف الأخيرين تهجير ما يزيد عن العشرين ألف أسرة من فقراء المدن (خاصة القاهرة والأقصر) ليعاد توطينهم خارجها، هذا بخلاف أعداد غير محصورة تم إخلائها قسريا لأسباب أخرى.
 


فكيف إذن انعكست هذه الصورة على مشروع الدستور المعروض للاستفتاء؟

صحيح أن مواد الحق في السكن صارت أفضل نسبيا في دستور 2013 عنها في دستور 2012، إلا أن هذه المواد لدى مقارنتها بالعناصر السبع التى عرف بها المسكن الملائم حسب العهد الدولى للحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والتى ضمنّها فى وثيقة دستور العمران التشاركية، تظهر كيف أننا لم نبلغ بعد الحدود المعيارية المتعارف عليها دوليا لضمان الحق في السكن دستوريا.

عن أمن الحيازة
كان من الجيد أن حظرت المادة 63 "التهجير القسرى التعسفى"  وبما يتيح فرص التقاضى ضد العديد من ممارسات التنمية العمرانية غير العادلة، إلا أن استعمال وصف "التهجير" بدلاً من "الإخلاء" وتعريفه بـ "التعسفى" نراه يقيّد من نطاق حماية الحق في هذا النص.
ويلاحظ كذلك أنه رغم وجود ثلاثة مواد تحمي أنواع الملكية المختلفة (مواد 33 و34 و35)، وخاصة مادة 35 التى توصف عملية نزع الملكية للمنفعة العامة، لكن النص قد ترك للمشرع تقرير آلية نزع الملكية، تارك ذلك للقانون الحالى والآلية الحالية، التي تنتهك حقوق المواطنين عند تطبيقها.

عن كلفة السكن
تنص المادة 78 من مشروع الدستور على أن "تكفل الدولة للمواطنين الحق فى المسكن الملائم... بما يحقق العدالة الإجتماعية". كما تنص أيضاً على أنها "تنظم استخدام أراضى الدولة...بما يحقق الصالح العام". ومن شأن هذا النص ضبط سوق العقارات والحد من ارتفاع الأسعار، وهو أمر ملح، لكن لا سبيل لتفعيل النص دون تفسير دستورى لمبدأى التكافل والعدالة الإجتماعية على نحو يحسم تحديد التزامات الدولة بخصوصهما.

عن صلاحية المسكن(الصحة البدنية والاجتماعية، والأمان)
تنص المادة 78  أيضاٌ على أن " تكفل الدولة للمواطنين الحق فى المسكن الملائم والآمن والصحى بما يحفظ الكرامة الإنسانية"، ولكن تظل التساؤل حول تفسير الكلفة وعلى وضع معايير للآمان والصحة. بالإضافة لذلك تنص المادة 59 على أن " الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن، والطمأنينة لمواطنيها..." مما قد يفسر لحالات السكن غير الآمن إنشائيا أو الذى يقع في مناطق ذات خطورة. كما تنص المادة 29 على أن "... تلتزم (الدولة) بتنمية الريف... وحمايتهم من المخاطر البيئية..."، وقد تُفسر على أنها الكوارث الطبيعية مثل السيول أو إرتفاع منسوب المياه الجوفية بما يهدد سلامة المبانى. كما تنص المادة 46 على "الحق في بيئة صحية سليمة..."، و جميعها نصوص داعمة للحق في السكن، بشرط فهمها وفق هذا المنظور.

عن توافر الخدمات والمواد والمرافق للسكن
يطرح مشروع الدستور أكثر من مادة تكفل توصيل المرافق للمجتمعات العمرانية والسكن، ونرجع للمادة 78 التي تنص على أن" ...وتنظيم (الدولة) استخدام أراضى الدولة ومدها بالمرافق الاساسية... بما يحقق الصالح العام..." وفي نص المادة كذلك أن " ...تلتزم الدولة بوضع خطة قومية شاملة لمواجهة مشكلة العشوائيات تشمل... توفير البنية الاساسية والمرافق". كما يوجد نص على الحق في مياه نظيفة (المادة 79) و"حماية نهر النيل... وعدم إهدار مياهه وتلويثها" (المادة 44).وهناك المادة 29 وفيها " تلتزم الدولة بتنمية الريف ورفع مستوى معيشة سكانة"، أما المادة 236 فتنص على أن "تكفل الدولة وضع وتنفيذ خطة للتنمية الإقتصادية والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة..".

ولكن المادة 32 فيها بعد بالغ الخطورة إذ تسمح بخصخصة الموارد والمرافق في نصها "... ويكون منح حق استغلال الموارد الطبيعية أو التزام المرافق العامة بقانون ولمدة لا تتجاوز ثلاثين عاماً..." مما يفتح المجال لدخول القطاع الخاص بقوى فى مجال إنشاء وإدارة المرافق العامة، والتى قد تهدد التنمية العمرانية، خاصة للمناطق المحرومة فى ظل المنظومة التشريعية الضعيفة لأجهزة الدولة المركزية والمحلية فى التعامل مع ورقابة الشركات متعددة الجنسيات الكبرى، كما يشهد لنا واقع خلل منظومة جمع القمامة التى تمت خصخصتها خلال العقد الماضى، أو غياب الرقابة وتحرير السوق العقارى لحساب المطورين والمضاربين.
  
عن تلبية المسكن احتياجات ساكنيه
ثمة نصوص ترعى حق فئات محرومة ومهمشة مثل الفقراء وذوى الإعاقة وضحايا الكوارث الطبيعية في السكن، فالمادة 81 تنص على "ضمان حقوق الأشخاص ذوى الإعاقة..." بالإضافة إلى مادة 83 التى تضمن "حقوق المسنين" بما يمّكن تطبيقه على العمران القائم وعلى جميع مشاريع الإسكان والتخطيط العمرانى المستقبلية.

عن يسر الموقع وإمكانية الوصول
لا توجد في المشروع الدستوري توصيفات بمواد السكن والعمران خاصة بالتوزيع الجغرافى العادل للتنمية العمرانية، سواء على المستوى الإقليمى أو المحلى، وهى أحد المشاكل الرئيسة فى التنمية العمرانية، خاصة فيما يخص اختيار مواقع مشاريع الإسكان الاجتماعي والتى عادة تكون فى مناطق صحراوية نائية محرومة من الخدمات والأمن. في حين أن قرب المسكن من العمل وخدمات التعليم والصحة أو إتاحة المواصلات له أمور على درجة بالغة من الأهمية.

عن ملاءمة المسكن لثقافة ساكنيه
نص المادة 236 "تكفل الدولة وضع وتنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة، ومنها الصعيد وسيناء ومطروح ومناطق النوبة، وذلك بمشاركة أهلها في مشروعات التنمية وفى أولوية الاستفادة منها، مع مراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلى..."   ونص المادة 47 "تلتزم الدولة بالحفاظ على الهوية الثقافية المصرية بروافدها الحضارية المتنوعة" قد يضمنان حقوق أصحاب الثقافات المختلفة من بدو وأمازيغ ونوبيين، وحتى الفوارق الثقافية بين الريف والحضر، فى عمران ومساكن تعكس خصوصيتهم الثقافية.

خلاصة
تمثل هذه المواد وما ترسمه من ضمانات خطوات أولى على طريق طويل للوفاء العادل بالحق في السكن والحق فى العمران، فهى لن تطبق من تلقاء نفسها. والسؤال عند تقييم هذه المواد التي بين أيدينا اجابته في واقع التطبيق لهذه النصوص التي أتت بها المسودة، وأن نرى أثرها على العمران القائم. فثمة احتياج لأن تعقب المواد الدستورية عمليات لإعادة هيكلة مجمل منظومة التخطيط العمرانى تشريعياً وإدارياً، فهناك معارك قضائية عديدة في التوصل إلى تفسير العديد من المصطلحات. هذا بالإضافة إلى إيجاد فلسفة جديدة تشاركية تحكم عملية إدارة وتخطيط العمران، تعكس مشاركة مجتمعية فاعلة وتمثيلا منصفا للمجتمعات المحلية عند اتخاذ القرار العمراني، على نحو يكفل التخطيط الجيد والتوزيع العادل لعوائد التنمية. 


No comments:

Post a comment

شارك برأيك